صورة الطفل في أدب الأطفال - الرسوم في كتب الأطفال المنشورة في لبنان

 

غالبًا ما تكون الرسوم في الكتب المصوّرة المعاصرة غايةً في حد ذاتها، فهي أول ما يلفت نظر القارئ، وقّبْله المشتري. يتمثل دورها في أكثر من ناحية: فيكون الطفل هو المقصود وتأتي الرسوم لتساعده على فهم نفسه والآخرين وعلى بناء شخصيته؛ أو يكون الطفل ذريعة والهدف عملٌ فني جمالي بحت، يكتشف الفنان فيه ذاته والكون، أو أدواته والألوان؛ ويكون الهدف أحيانًا تعليميّ، فتحمل الرسوم التوضيحية للطفل رسائل جلية أو مبطنة، أخلاقية، تربوية، وطنية، سياسية، دينية، إلخ.

لقد كان إنتاج كتب الأطفال في لبنان زاخرًا في السنوات العشر الأخيرة. وفئة ال3 إلى ال9 سنوات هي المرحلة العمرية التي نعمت بهذا الدفق أكثر من غيرها.

تتميز هذه الكتب بحجم الرسوم الذي يغلب على النص أو يأتي مساويًا له. لذا فالرسوم بأهمية النص أو أكثر. ولكي ينجح الكتاب المصور، على الرسوم أن تكون مشروع عمل متكامل بالنسبة للناشر. فيكون اختيار الفنان الذي سيوكل برسم هذه القصة أو تلك اختيارًا حاسمًا في تحديد هوية الكتاب وشكله النهائي وهدفه وجمهوره.

تعددت البحوث والدراسات والطاولات المستديرة في بيروت في السنوات الأخيرة، محاولةً تحديد ‘لون’ النشر الموجه للصغار. فقد ظهر الكتاب المعاصر للطفل في لبنان دون سابق قرار أو تحضير أو تنسيق من أي نوع كان. كل على هواه، كل لسبب في نفسه، قرر ناشرون شبان خوض المغامرة، فنجحوا، مشجعين بذلك بعض الدور القديمة التي تعودت إصدار الكتب التقليدية أن تجدّد نفسها، أو على الأقل أن تحاول. وتزامن هذا الانتعاش في النشر مع حركة نشيطة ومنشطة من قبل وزارة الثقافة وجمعيات أهلية ثقافية أو تربوية وتجمعات مكتبية وعدد من المراكز الثقافية الأجنبية في لبنان. أما النتائج فتجلت في أمور كثيرة، أهمها وأكثرها تأثيرًا على مجتمع أدب الأطفال كبارًا وصغارًا كان:

-         تكاثر المكتبات العامة التي تخصص قسمًا مهمًا منها للصغار، وذلك في كل أنحاء البلاد؛

-         تضاعف عدد الدورات التدريبية الموجهة لأمناء وأمينات المكتبات العامة حول أدب الأطفال، وحول النشر للصغار في لبنان والعالم العربي والعالم عمومًا، وحول النشاطات الكتبية مع الأطفال في المكتبات...؛

-         تعميم ‘ساعة القصة’ في كثير من المكتبات العامة، حيث يكتشف الصغارُ الكتابَ مع الحكواتية والقصاصين؛

-         إصدار مجلة نقدية لكتب الأطفال (‘همزة وصل’ ثم ‘قراءات صغيرة’) بين عامي 2004 و 2010؛

-         تضاعف عدد الدورات التدريبية الموجهة لنقاد أدب الأطفال، مع تركيز على فحوى ودلالات الرسوم والإخراج الفني والتقني للكتاب؛

-         تدريب مهني من خلال دورات متخصصة وتبادل خبرات بين رسامين لبنانيين وآخرين أجانب؛

-         نشوء معارض كتب متخصصة للصغار في كافة أنحاء لبنان، ومشارَكة لبنانية في معارض دولية لكتب الأطفال؛

-         وغير ذلك، من نشاطات مكثفة لجمعيات أهلية تعنى بشأن الكتاب، كالسبيل وإقرأ... وإطلاق جوائز أفضل كتاب، ومشاركات في مسابقات رسم كتب للأطفال.

في ظل هذه الحركة الصحية لكتاب الطفل، أتت حركة أخرى لأرباب هذا المجال، قائمة بصورة خاصة على التنافس بين الناشرين، وأحيانًا بين المبدعين ذاتهم. وهنالك حركة إضافية تمثلت باهتمام عدد كبير من الفنانين الشبان، الجامعيين أو المتخرجين حديثًا، بتصوير كتب الأطفال.

بالطبع، قد يرى بعض العاملين في مجال النشر للصغار، أن هذا النشاط ليس بالضرورة دليل عافية ستستمر. تذكر مثلاً ماتيلد شيفر (باحثة في مجال أدب الأطفال في العالم العربي) ما قاله لها مؤخرًا بيار صايغ، صاحب مكتبة لبنان التي تأسست سنة 1944. يقول: "من الأحسن أن نترجم على أن نحاول الإبداع في مجال تنقصه في لبنان العناصر المؤهلة"[1]. فالناشرون التقليديون الذين ما زالوا يكتفون بترجمة كلاسيكيات الغرب، يصرون حتى اليوم على الغياب التام للعناصر الإبداعية المحلية، ويعتبرون كل واحدة من مئات المنشورات تلك التي صدرت في السنوات الأخيرة "حالة استثنائية"[2]، مهما تعددت أعمال الكاتب الواحد أو الرسام الواحد.

سنة 2004 صدر العدد صفر من مجلة ‘همزة وصل’ الفصلية، عن جمعية ‘بيت الكتاب’ في بيروت. هي مجلة نقدية تعنى بشؤون كتب الأطفال الصادرة في لبنان. إستمرت تحت هذا الإسم إلى أن صارت تصدر كملحق فصلي لجريدة النهار وصار اسمها ‘قراءات صغيرة’، أي قراءات قصيرة تنشر تعليقًا على أدب الصغار في لبنان[3].

          انطلقت هذه المجلة نتيجة لواقع لحظَه عدد من هواة الكتب المصورة: أن هذا القطاع صار له وجود في لبنان، وأن هذا الوجود أصبح ملحوظًا لا يصح التغاضي عنه. أول كتاب لفت النظر كان قصة الكوسى الصادر عن دار الآداب. كان التجديد واضحًا في هذا الكتاب الأخضر المربع، في نصه أولاً، ولكن أيضًا في رسوماته المميزة وفي إخراجه.

بدأ العاملون في المجلة التعريف بإصدارات لبنان للصغار بشكل غير حِرَفي، وسرعان ما بدت لهم الحاجة واضحة لدورات تدريبية في النقد الفني للرسوم الموجهة للصغار. لقد ظهر هذا النقص في التخصص على ضوء التطور في إخراج الكتاب. من المؤكد أن عددًا من المؤلفين بدؤوا بلفت الأنظار إلى أسلوبهم الجديد في الكتابة، لكن أول ما يشد إلى كتاب الطفل هو جماليته من حيث الرسوم والألوان والتنسيق والإخراج. كانت كل العوامل تشير إلى ولادة جيل جديد في تاريخ النشر في لبنان، خارج النطاق التراثي أو التربوي، هو جيل أدب الأطفال.

[1]"Le conte de la courgette" et autres histoires pour enfants / Mathilde Chèvre, p. 12.

[2]الكلمة لأحد الناشرين اللبنانيين.

[3]توقفت المجلة عن العمل سنة 2010 لأسباب مادية.

المؤلف: 
هالة البزري
الناشر: 
مؤسسة آنا ليند- البرنامج الإقليمي لتطوير أدب الأطفال
البلد: 
Lebanon
تصنيف المورد: 
Documents
مناسب لـ: 
Publishers
Authors
Illustrators
Researchers
Editors
عام النشر: 
2011